‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات قرآنية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات قرآنية. إظهار كافة الرسائل

آية ..... { وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ }



آية.....{ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ }

أي الليل إذا دخل، ومن تأمل أنواع الشرور وجد أكثرها في الليل، وفيه انتشار الشياطين، وأهل الغفلة والبطالة، فحري بالمسلم اغتنامه بالعبادة، وتجنب السهر فيما لا ينفع، وخصوصا في الأسواق ونحوها

ما أعظم الاستعاذة بهذه الصفة العظيمة ( رب الفلق )

وما تشتمل عليه من قوة وغلبة وسلطان على ظلمات الشرور والسحرة والحاسدين. وتأمل لفظة الفلق، وما يقابلها من انغلاق الليل، وانغلاق عقد السحرة، وانغلاق قلوب الحاسدين.



قوله تعالى : {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4]



قوله تعالى {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4]

قال قتادة ومجاهد: نفسك فطهِّر من الذنب، فكنى عن النفس بالثوب. وهذا قول إبراهيم النخعي والضحاك والشعبي والزهري والمحققين من أهل التفسير. قال ابن عباس: لا تلبسها على معصية ولا غدر، ثم قال : أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي :
وإنى بحمد الله لا ثوب غادر ... لبست ولا من غدرة أتقنع
والعرب تقول في وصف الرجل بالصدق والوفاء: طاهر الثياب، وتقول للغادر والفاجر: دنس الثياب.
وقال أبي بن كعب: لا تلبسها على الغدر والظلم والإثم، ولكن البسها وأنت بر طاهر.
وقال الضحاك : عملك فأصلح، قال السدي: يقال للرجل إذا كان صالحًا إنه لطاهر الثياب، وإذا كان فاجرًا إنه لخبيث الثياب. وقال سعيد بن جبير: وقلبك وبيتك فطهِّر. وقال الحسن والقرظي: وخلقك فحسِّن.
وقال ابن سيرين وابن زيد: أمر بتطهير الثياب من النجاسات التى لا تجوز الصلاة معها؛ لأن المشركين كانوا لا يتطهرون ولا يطهرون ثيابهم.
وقال طاووس: وثيابك فقصر؛ لأن تقصير الثياب طهارة لها.

والقول الأول : أصح الأقوال .. أي: طهِّر نفسك من الذنوب.
ولا ريب أن تطهيرها من النجاسات وتقصيرها من جملة التطهير المأمور به، إذ به تمام إصلاح الأعمال والأخلاق؛ لأن نجاسة الظاهر تورث نجاسة الباطن ولذلك أمر القائم بين يدي الله عزَّ وجلَّ بإزالتها والبعد عنها.
والمقصود : أن الورع يطهِّر دنس القلب ونجاسته، كما يطهِّر الماء دنس الثوب ونجاسته .. وبين الثياب والقلوب مناسبة ظاهرة وباطنة، ولذلك تدل ثياب المرء في المنام على قلبه وحاله.
ويؤثر كل منهما في الآخر .. ولهذا نهى عن لباس الحرير والذهب وجلود السباع؛ لما تؤثر في القلب من الهيئة المنافية للعبودية والخشوع.
وتأثير القلب والنفس في الثياب أمر خفي .. يعرفه أهل البصائر من نظافتها ودنسها ورائحتها وبهجتها وكسفتها، حتى إن ثوب البر ليعرف من ثوب الفاجر وليسا عليهما.
المصدر: مدارج السالكين (2:10,12)

يقول تعالى : فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ...



يقول الله تعالى :
{ فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (*) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (*) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} [المدثر: 49,51]

شبههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن بحُمُر رأت الأسد أو الرماة ففرت منه .. وهذا من بديع القياس والتمثيل، فإن القوم في جهلهم بما بعث الله به رسوله كالحمر وهي لا تعقل شيئًا فإذا سمعت صوت الأسد أو الرامي نفرت منه أشد النفور. وهذا غاية الذم لهؤلاء، فإنهم نفروا عن الهدى الذي فيه سعادتهم وحياتهم كنفور الحمر عما يهلكها ويعقرها.
وتحت المستنفرة معنى أبلغ من النافرة .. فإنها لشدة نفورها قد استنفر بعضها بعضا وحضه على النفور، فإن في الاستفعال من الطلب قدرًا زائدًا على الفعل المجرد، فكأنها تواصت بالنفور وتواطأت عليه .. ومن قرأها بفتح الفاء، فالمعنى أن القسورة استنفرها وحملها على النفور ببأسه وشدته.

  • المصدر: إعلام الموقعين (1:196)

يقول تعالى : {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}



أن الذنوب إذا تكاثرت، طُبِعَ على قلب صاحبها فكان من الغافلين ..
يقول تعالى {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14]


قال بعض السلف: هو الذنب بعد الذنب.
وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب.
وقال غيره: لما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم أحاطت بقلوبهم.
وأصل هذا أن القلب يصدأ من المعصية .. فإذا زادت غلب الصدأ حتى يصير رانًا، ثم يغلب حتى يصير طبعًا وقفلاً وختمًا فيصير القلب في غشاوة وغلاف .. فإذا حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة، انتكس فصار أعلاه أسفله فحينئذ يتولاه عدوه ويسوقه حيث أراد.

  • المصدر: الجواب الكافى صـ 39.

قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ...



قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}[الأنفال: 24]

فتضمنت هذه الآية أمورًا :
أحدها: أن الحياة النافعة إنما تحصل بالاستجابة لله ورسوله .. فمن لم تحصل له الاستجابة فلا حياة له، وإن كانت له حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل الحيوانات. فالحياة الطيبة هي حياة من استجاب لله والرسول ظاهرًا وباطنًا. فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا، وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان.
ولهذا كان أكمل الناس حياةً أكملهم استجابة لدعوة الرسول
.. فإن كل ما دعا إليه ففيه الحياة، فمن فاته جزء منه فاته جزء من الحياة، وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول.
قال مجاهد: "لِمَا يُحْيِيكُمْ" يعني: للحق. وقال قتادة : "هو هذا القرآن فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة". وقال السدي:"هو الإسلام، أحياهم به بعد موتهم بالكفر" . وقال ابن إسحق وعروة بن الزبير: واللفظ له "لِمَا يُحْيِيكُمْ" يعني: للحرب التي أعزكم الله بها بعد الذل، وقوَّاكم بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم.
وكل هذه عبارات عن حقيقة واحدة: وهي القيام بما جاء به الرسول ظاهرًا وباطنًا .. قال الواحدي "والأكثرون على أن معنى قوله "لِمَا يُحْيِيكُمْ" هو الجهاد،وهو قول ابن إسحق واختيار أكثر أهل المعاني" . قال الفراء : "إذا دعاكم إلى إحياء أمركم بجهاد عدوكم يريد أن أمرهم إنما يقوى بالحرب والجهاد، فلو تركوا الجهاد ضعف أمرهم واجترأ عليهم عدوهم ".
قلت : الجهاد من أعظم ما يحييهم به في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة :
أما في الدنيا فإن قوتهم وقهرهم لعدوهم بالجهاد، وأما في البرزخ فقد قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169].
وأما في الآخرة فإن حظ المجاهدين والشهداء من حياتهم ونعيمها أعظم من حظ غيرهم .
ولهذا قال ابن قتيبة: "لِمَا يُحْيِيكُمْ" يعني: الشهادة . وقال بعض المفسرين: "لِمَا يُحْيِيكُمْ" يعني الجنة، فإنها الحياة الدائمة الطيبة. حكاه أبو علي الجرجاني .
والآية تتناول هذا كله: فإن الإيمان والإسلام والقرآن والجهاد تحيي القلوب الحياة الطيبة.
وكمال الحياة في الجنة، والرسول داع إلى الإيمان وإلى الجنة .. فهو داع إلى الحياة في الدنيا والآخرة.
والإنسان مضطر إلى نوعين من الحياة:
1) حياة بدنه .. التي بها يدرك النافع والضار ويؤثر ما ينفعه على ما يضره، ومتى نقصت فيه هذه الحياة ناله من الألم والضعف بحسب ذلك. ولذلك كانت حياة المريض والمحزون وصاحب الهم والغم والخوف والفقر والذل دون حياة من هو معافى من ذلك.
2) وحياة قلبه وروحه .. التي بها يميز بين الحق والباطل والغي والرشاد والهوى والضلال، فيختار الحق على ضده. فتفيده هذه الحياة قوة التمييز بين النافع والضار في العلوم والإرادات والأعمال. وتفيده قوة الإيمان والإرادة والحب للحق، وقوة البغض والكراهة للباطل. فشعوره وتمييزه وحبه ونفرته بحسب نصيبه من هذه الحياة، كما أن البدن الحي يكون شعوره وإحساسه بالنافع والمؤلم أتم، ويكون ميله إلى النافع ونفرته عن المؤلم أعظم. فهذا بحسب حياة البدن، وذاك بحسب حياة القلب. فإذا بطلت حياته بطل تمييزه. وإن كان له نوع تمييز لم يكن فيه قوة يؤثر بها النافع على الضار .
كما أن الإنسان لا حياة له حتى ينفخ فيه الملك، الذي هو رسول الله، من روحه، فيصير حيًا بذلك النفخ، وكان قبل ذلك من جملة الأموات.
وكذلك لا حياة لروحه وقلبه حتى ينفخ فيه الرسول من الروح الذي ألقي إليه .. قال تعالى { يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ..} [النحل: 2]، وقال: {.. يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ..} [غافر: 15]، وقال: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ..} [الشورى: 52] .. فأخبر أن وحيه روح ونور، فالحياة والاستنارة موقوفة على نفخ الرسول الملكي، فمن أصابه نفخ الرسول الملكي ونفخ الرسول البشري حصلت له الحياتان.
ومن حصل له نفخ الملك دون نفخ الرسول حصلت له إحدى الحياتين وفاتته الأخرى،،

  • المصدر: كتاب الفوائد (1:88,92)

قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ..



قوله تعالى: {.. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24]

المشهور في الآية: أنه يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان، ويحول بين أهل طاعته وبين معصيته، وبين أهل معصيته وبين طاعته .. وهذا قول ابن عباس وجمهور المفسرين.
وفي الآية قول آخر: :  أنه سبحانه قريب من قلبه لا تخفى عليه خافية، فهو بينه وبين قلبه ..
ذكره الواحدي عن قتادة، وكان هذا أنسب بالسياق؛ لأن الاستجابة أصلها بالقلب، فلا تنفع الاستجابة بالبدن دون القلب، فإن الله سبحانه بين العبد وبين قلبه، فيعلم هل استجاب له قلبه وهل أضمر ذلك أو أضمر خلافه.
وعلى القول الأول: فوجه المناسبة أنكم إن تثاقلتم عن الاستجابة لله وللرسول وأبطأتم عنها، فلا تأمنوا أن الله يحول بينكم وبين قلوبكم، فلا يمكنكم بعد ذلك الاستجابة عقوبةً لكم على تركها بعد وضوح الحق واستبانته؛ فيكون كقوله: { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ..} [الأنعام: 110]، وقوله: {.. فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ..} [الصف: 5]، وقوله: {.. فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ}
 [الأعراف: 101]
ففي الآية تحذير عن ترك الاستجابة بالقلب وإن استجاب بالجوارح .
 ومنها: أن الرجلَ إذا حضرت له فُرصةُ القُربة والطاعة، فالحزمُ كُلُّ الحزم فى انتهازها، والمبادرة إليها، والعجزُ فى تأخيرها، والتسويف بها .. ولا سيما إذا لم يثق بقدرته وتمكنه من أسباب تحصيلها، فإن العزائم والهمم سريعةُ الانتقاض قلَّما ثبتت، والله سُبحانه يُعاقب مَنْ فتح له بابًا من الخير فلم ينتهزه، بأن يحول بين قلبه وإرادته، فلا يُمكنه بعد من إرادته عقوبةً له ..
فمن لم يَستَجِبْ للهِ ورسوله إذا دعاه، حالَ بينه وبين قلبه وإرادته، فلا يمكنه الاستجابةُ بعد ذلك.

وفي الآية سر آخر، وهو: أنه جمع لهم بين الشرع والأمر به وهو الاستجابة، وبين القدر والإيمان به .. فهي كقوله تعالى: { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (*) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 28,29]، وقوله: {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (*) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ..}[المدثر: 55,56]، والله أعلم.

المصادر:
  • كتاب الفوائد (1:88,92)
  • زاد المعاد في هدي خير العباد (3:574)

قوله تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ




قوله تعالى : {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
 [النور: 35]

 قال أبي بن كعب: مثل نوره في قلب المسلم.
وهذا هو النور الذي أودعه في قلبه من معرفته ومحبته والايمان به وذكره، وهو نوره الذي أنزله إليهم فأحياهم به وجعلهم يمشون به بين الناس
.. وأصله في قلوبهم ثم تقوى مادته فتتزايد حتى يظهر على وجوههم وجوارحهم وأبدانهم بل ثيابهم ودورهم، يبصره من هو من جنسهم وسائر الخلق له منكر .. فإذا كان يوم القيامة برز ذلك النور وصار بإيمانهم يسعى بين أيديهم في ظلمة الجسر حتى يقطعوه، وهم فيه على حسب قوته وضعفه في قلوبهم في الدنيا فمنهم من نوره كالشمس، وآخر كالقمر، وآخر كالنجوم، وآخر كالسراج ،وآخر يعطي نورا على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفيء أخرى .. إذا كانت هذه حال نوره في الدنيا فأعطى على الجسر بمقدار ذلك، بل هو نفس نوره ظهر له عيانًا. ولما لم يكن للمنافق نور ثابت في الدنيا بل كان نوره ظاهرًا لا باطنًا، أعطى نورًا ظاهرًا مآله إلى الظلمة والذهاب.
 وضرب الله عزَّ وجلَّ لهذا النور ومحله وحامله ومادته مثلاً بالمشكاة .. وهي الكوة في الحائط، فهي مثل الصدر ..
وفي تلك المشكاة زجاجة من أصفى الزجاج، وحتى شُبِهَت بالكوكب الدري في بياضه وصفائه وهي مثل القلب .. وشبه بالزجاجة؛ لأنها جمعت أوصافًا هي في قلب المؤمن وهي الصفاء والرقة .. فيرى الحق والهدى بصفائه، وتحصل منه الرأفة والرحمة والشفقة برقته، ويجاهد أعداء الله تعالى ويغلظ عليهم ويشتد في الحق ويصلب فيه بصلابته .. ولا تبطل صفة منه صفة أخرى ولا تعارضها بل تساعدها وتعاضدها .. { .. أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ..} [الفتح: 29]، 
وقال تعالى: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ..} [آل عمران: 159]، 
وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ..} [التوبة: 73]
وفي أثر: "القلوب آنية الله تعالى في أرضه، فأحبها إليه: أرقها وأصلبها وأصفاها"
وبإزاء هذا القلب قلبان مذمومان في طرفي نقيض :
أحدهما: قلب حجري قاس .. لا رحمة فيه ولا إحسان ولا بر، ولا له صفاء يرى به الحق، بل هو جبار جاهل: لا علم له بالحق ولا رحمة للخلق.
وبإزائه: قلب ضعيف مائي لا قوة فيه ولا استمساك .. بل يقبل كل صورة، وليس له قوة حفظ تلك الصور ولا قوة التأثير في غيره وكل ما خالطه أثر فيه من قوي وضعيف وطيب خبيث.

وفي الزجاجة مصباح، وهو النور الذي في الفتيلة .. وهي حاملته، ولذلك النور مادة وهو زيت قد عُصِرَ من زيتونة في أعدل الأماكن تصيبها الشمس أول النهار وآخره .. فزيتها من أصفى الزيت وأبعده من الكدر، حتى إنه ليكاد من صفائه يضيء بلا نار فهذه مادة نور المصباح.
وكذلك مادة نور المصباح الذي في قلب المؤمن، هو من شجرة الوحي .. التي هي أعظم الأشياء بركة وأبعدها من الانحراف، بل هي أوسط الأمور وأعدلها وأفضلها. لم تنحرف انحراف النصرانية ولا انحراف اليهودية، بل هي وسط بين الطرفين المذمومين في كل شيء فهذه مادة مصباح الإيمان في قلب المؤمن.
ولما كان ذلك الزيت قد اشتد صفاؤه حتى كاد أن يضيء بنفسه، ثم خالط النار فاشتدت بها اضاءته وقويت مادة ضوء النار به، كان ذلك: نورًا على نور .. وهكذا المؤمن قلبه مضيئ يكاد يعرف الحق بفطرته وعقله ولكن لا مادة له من نفسه، فجاءت مادة الوحي فباشرت قلبه وخالطت بشاشته فازداد نورًا بالوحي على نوره الذي فطره الله تعالى عليه ..
فاجتمع له نور الوحي إلى نور الفطرة، نورٌ على نور ..
فيكاد ينطق بالحق وإن لم يسمع فيه أثر، ثم يسمع الأثر مطابقًا لما شهدت به فطرته فيكون نورًا على نور .. فهذا شأن المؤمن يدرك الحق بفطرته مجملاً، ثم يسمع الأثر جاء به مفصلاً فينشأ إيمانه عن شهادة الوحي والفطرة.
فليتأمل اللبيب هذه الآية العظيمة ومطابقتها لهذه المعاني الشريفة، فذكر سبحانه وتعالى نوره في السموات والأرض ونوره في قلوب عباده المؤمنين .. النور المعقول المشهود بالبصائر والقلوب، والنور المحسوس المشهود بالأبصار الذي استنارت به أقطار العالم العلوي والسفلي .. فهما نوران عظيمان أحدهما أعظم من الآخر، وكما أنه إذا فقد أحدهما من مكان أو موضع لم يعش فيه آدمي ولا غيره؛ لأن الحيوان إنما يتكون حيث النور ومواضع الظلمة التي لا يشرق عليها نور لا يعيش فيها حيوان ولا يتكوَّن البته ..
فكذلك أمة فُقِدَ فيها نور الوحي والإيمان ميتة، وقلب فُقِدَ منه هذا النور ميت ولا بد ..
لا حياة له البتة، كما لا حياة للحيوان في مكان لا نور فيه.

  • المصدر: الوابل الصيب صـ 76.

يقول الله عزَّ وجلَّ : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ



يقول الله عزَّ وجلَّ :
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (*) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}
 [القصص: 71,72]


 خصَّ سبحانه النهار بذكر البصر؛ لأنه محله .. وفيه سلطان البصر وتصرفه.
وخصَّ الليل بذكر السمع؛ لأن سلطان السمع يكون بالليل .. 
وتسمع فيه الحيوانات مالا تسمع في النهار؛ لأنه وقت هدوء الأصوات وخمود الحركات وقوة سلطان السمع وضعف سلطان البصر، والنهار بالعكس فيه قوة سلطان البصر وضعف سلطان السمع.
فقوله "أَفَلَا تَسْمَعُونَ"
 راجعٌ إلى قوله {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ ..}، 
وقوله"أَفَلَا تُبْصِرُونَ"
 راجعٌ إلى قوله {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ..}

·   المصدر:
مفتاح دار السعادة (1:311)

قال تعالى : { .. فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ..}


قال تعالى { .. فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ..} [الصف: 5]



وهكذا إذا أعرض العبد عن ربِّه سبحانه جازاه بأن يُعْرِض عنه فلا يُمَكِّنه من الإقبال عليه، ولتكن قصة إبليس منك على ذكر تنتفع بها أتم انتفاع: فإنه لما عصى ربَّه تعالى ولم ينقد لأمره وأصرَّ على ذلك، عاقبه بأن جعله داعيًا إلى كل معصية .. فعاقبه على معصيته الأولى بأن جعله داعيًا إلى كل معصية، وفروعها صغيرها وكبيرها .. وصار هذا الإعراض والكفر منه، عقوبة لذلك الإعراض والكفر السابق ..
فمن عقاب السيئة السيئة بعدها، كما أن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها،،

وقال تعالى عن عباده المؤمنين أنهم سألوه {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ..} [آل عمران: 8]
وأصل الزيغ: الميل .. ومنه زاغت الشمس، إذا مالت ..
فإزاغه القلب: إمالته، وزيغه: ميله عن الهدى إلى الضلال ..
والزيغ يوصف به القلب والبصر .. كما قال تعالى {..وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ..} [الأحزاب: 10] .. قال قتادة ومقاتل"شَخِصَت فرقًا"، وهذا تقريب للمعنى فإن الشخوص غير الزيغ وهو: أن يفتح عينيه ينظر إلى الشيء فلا يطرق. ومنه شَخِص بصر الميت، ولما مالت الأبصار عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى هؤلاء الذين أقبلوا إليهم من كل جانب اشتغلت عن النظر إلى شيء آخر فمالت عنه وشخصت بالنظر إلى الأحزاب. وقال الكلبي "مالت أبصارهم إلا من النظر إليهم"، وقال الفراء "زاغت عن كل شيء، فلم تلتفت إلا إلى عدوها متحيَّرة تنظر إليه"
قلت: القلب إذا امتلأ رعبًا شغله ذلك عن ملاحظة ما سوى المخوِّف، فزاغ البصر عن الوقوع عليه وهو مقابلة.

·   المصدر:
شفاء العليل (26:17, 31:17)

قال تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ



قال تعالى {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37]


إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وأَلْقِ سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه وإليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله ..
وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفًا على مؤثر مقتض، ومحلٍ قابل، وشرط لحصول الأثر، وانتفاء المانع الذي يمنع منه، تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه وأدله على المراد .
فقوله تعالى: إ"إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى" إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى هاهنا، وهذا هو المؤثر، وقوله تعالى: "لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ" فهذا هو المَحِل القابل، والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله، كما قال تعالى: { .. إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ (*) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [يس: 69,70] .. أي حي القلب.
وقوله: "أوْ أَلْقَى السَّمْعَ" أي: وجَّه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له، وهذا شرط التأثر بالكلام. وقوله تعالى "وَهُوَ شَهِيدٌ" أي: شاهد القلب حاضر غير غائب .
قال ابن قتيبة: "استمع كتاب الله، وهو شاهد القلب والفهم، ليس بغافلٍ ولا ساه" ..
وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير، وهو: سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له، والنظر فيه وتأمله ..
فإذا حصل المؤثر وهو القرآن، والمحل القابل وهو القلب الحي، ووجد الشرط وهو الإصغاء، وانتفى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب، وانصرافه عنه إلى شيء آخر، حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكر.

فإن قيل: إذا كان التأثير إنما يتم بمجموع هذه، فما وجه دخول أداة « أو » في قوله تعالى : "أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ" والموضع موضع واو الجمع لا موضع « أو » التي هي لأحد الشيئين؟
قيل : هذا سؤال جيد، والجواب عنه أن يقال: خرج الكلام بـ « أو » باعتبار حال المخاطب المدعو، فإن من الناس من يكون حي القلب واعيه، تامّ الفطرة، فإذا فكَّر بقلبه وجال بفكره، دلَّه قلبه وعقله على صحة القرآن وأنه الحق، وشهد قلبه بما أخبر به القرآن، فكان ورود القرآن على قلبه نوراً على نور الفطرة.
وهذا وصف الذين قيل فيهم: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ ..} [سبأ: 6] .. وقال في حقهم: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ..} [نور: 35]
فهذا نور الفطرة على نور الوحي، وهذا حال صاحب القلب الحي الواعي ..
فصاحب القلب يجمع بين قلبه وبين معاني القرآن فيجدها كأنها قد كتبت فيه، فهو يقرأها عن ظَهْر قَلْب .
ومن الناس من لا يكون تامَّ الاستعداد، واعي القلب، كامل الحياة .. فيحتاج إلى شاهد يميز له بين الحق والباطل، ولم تبلغ حياة قلبه ونوره وزكاء فطرته مبلغ صاحب القلب الحي الواعي، فطريق حصول هدايته أن يفرغ سمعه للكلام وقلبه لتأمله والتفكر فيه وتعقل معاينه، فيعلم حينئذ أنه الحق .

فالأول: حال من رأى بعينه ما دُعِيَ عليه وأُخْبِرَ به، والثاني: حال من عَلِمَ صدق المخبر وتيقنه .. وقال : « يكفيني خبره » فهو في مقام الإيمان، والأول في مقام الإحسان.
هذا وقد وصل إلى علم اليقين، وترقى قلبه منه إلى منزلة عين اليقين، وذاك معه التصديق الجازم الذي خرج به من الكفر ودخل به في الإسلام.
فعين اليقين نوعان: نوع في الدنيا ونوع في الآخرة .. فالحاصل في الدنيا نسبته إلى القلب كنسبة الشاهد إلى العين. وما أخبرت به الرسل من الغيب يعاين في الآخرة بالأبصار، وفى الدنيا بالبصائر، فهو عين يقين في المرتبتين.

·   المصدر:
الفوائد (1:1,3)

قوله تعالى : أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ



قوله تعالى {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]
 

قال ابن عباس "يريد على قلوب هؤلاء أقفال"، وقال مقاتل "يعني: الطبع على القلب"
وكأن القلب بمنزلة الباب المرتج الذي قد ضُرِبَ عليه قفل .. فإنه ما لم يفتح القفل لا يمكن فتح الباب والوصول إلى ما وراءه، وكذلك ما لم يرفع الختم والقفل عن القلب لم يدخل الإيمان والقرآن.
وتأمل تنكير القلب وتعريف الأقفال .. فإن تنكير القلوب يتضمن إرادة قلوب هؤلاء وقلوب من هم بهذه الصفة، ولو قال "أم على القلوب أقفالها" لم تدخل قلوب غيرهم في الجملة.
وفي قوله "أَقْفَالُهَا" بالتعريف نوع تأكيد، فإنه لو قال أقفال لذهب الوهم إلى ما يعرف بهذا الاسم فلما أضافها إلى القلوب علم أن المراد بهاما هو للقلب بمنزلة القفل للباب فكأنه أراد أقفالها المختصة بها التي لا تكون لغيرها والله أعلم.

·   المصدر:
شفاء العليل صـ 95.

قوله تعالى ... مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا ....



قوله تعالى:
 {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الجمعة: 5]


فقاس من حمَّله سبحانه كتابه ليؤمن به ويتدبَّره ويعمل به ويدعو إليه، ثم خالف ذلك ولم يحمله إلا على ظهر قلب .. فقراءته بغير تدبُّر ولا تفهُّم ولا اتباع له ولا تحكيم له وعمل بموجبه، كحمار على ظهره زاملة أسفار لا يدري ما فيها وحظه منها حمله على ظهره ليس إلا.
فحظه من كتاب الله كحظ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره .. فهذا المثل وإن كان قد ضُرِبَ لليهود فهو متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن فترك العمل به ولم يؤد حقه ولم يرعه حق رعايته.

·   المصدر:
إعلام الموقعين حـ 1 صـ 197.

قوله تعالى ... إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ....



:قوله تعالى
 {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (*)وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}
 [يونس: 24,25]


شبَّه سبحانه الحياة الدنيا في أنها تتزين في عين الناظر فتروقه بزينتها وتعجبه، فيميل إليها ويهواها اغترارًا منه بها حتى إذا ظن أنه مالكٌ لها قادرٌ عليها سُلِبَها بغتةً أحوَّج ما كان إليها وحيل بينه وبينها.
 فشبهها بالأرض التي ينزل الغيث عليها فتعشب ويحسن نباتها، ويروق منظرها للناظر فيغتر به ويظن أنه قادر عليها مالك لها فيأتيها أمر الله فتدرك نباتها الآفة بغتة فتصبح كأن لم تكن قبل، فيخيب ظنه وتصبح يداه صفرًا منها.
فكذا حال الدنيا والواثق بها سواء .. وهذا من أبلغ التشبيه والقياس، ولما كانت الدنيا عرضة لهذه الآفات والجنة سليمة منها قال {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ..} فسماها هنا دار السلام؛ لسلامتها من هذه الآفات التي ذكرها في الدنيا .. فعمَّ بالدعوة إليها وخصَّ بالهداية من يشاء، فذاك عدله وهذا فضله.

·   المصدر:
إعلام الموقعين حـ 1 صـ 182 ـ صـ 183.